الشيخ محمد النهاوندي

16

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

تحوّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة - : آمِنُوا في الظّاهر بألسنتكم بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا بمحمّد ، من تحويل القبلة ، وقولوا بأفواهكم : إنّه الحقّ ، وصلّوا إليها وَجْهَ النَّهارِ وفي أوّله . وعن العيّاشي : وهو صلاة الصّبح « 1 » ، حتّى يعتقد المؤمنون أنّكم اعتقدتم عن صميم القلب وَاكْفُرُوا به وتجاهروا بإنكاره وصلّوا إلى الصّخرة آخِرَهُ عبّاس « 2 » - كي يكون ذلك سببا لوقوع الشّبهة في قلوبهم بأن يقولوا في أنفسهم : إنّ اليهود أعلم منّا ، فآمنوا بالتّحويل من غير تأمّل وغرض ، ثمّ بعد التّامّل والتّفكّر ظهر لهم بطلانه فرجعوا لَعَلَّهُمْ بهذه الشّبهة يَرْجِعُونَ عن الإيمان بمحمّد ، وبتحويل القبلة . وقيل : كانت الطّائفة اثني عشر رجلا من أحبار خيبر ، حيث تقاولوا بأن يدخلوا في الإسلام أوّل النّهار ، ويقولوا آخره : نظرنا في كتابنا ، وشاورنا علماءنا ، فلم نجد محمّدا بالنّعت الذي ورد في التّوراة ، لعلّ أصحابه يشكّون فيه « 3 » . وَ قالوا لأتباعهم ، ووصّوا إليهم بأن لا تُؤْمِنُوا إيمانا واقعيّا ، ولا تصدّقوا عن صميم القلب لأحد إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ من اليهود ، لا لمن تبع دين محمّد من المسلمين . قيل : إنّ المراد : لا تظهروا الإيمان وجه النّهار إلّا للمسلمين الّذين كانوا على دينكم من قبل ، فإنّ رجوعهم أرجى وأهمّ « 4 » . وفي الإخبار بهذه الأسرار الخفيّة معجزة ظاهرة للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وحفظ قلوب المؤمنين عن الشّكّ ، وردع المنافقين عن السّعي في إلقاء الشّبهات . ثمّ لما سمّوا طريقتهم الباطلة بالدّين والهداية ردّهم اللّه بقوله : قُلْ إِنَّ الْهُدى والدّين هُدَى اللَّهِ ودينه ، لا مذهب اليهوديّة . أو المراد : قل لهم إنّ الهداية والتّوفيق هداية اللّه وتوفيقه ، يهدي بها من يشاء إلى الإيمان ، ويثيبه عليه ، ولا يضرّه كيدكم وحيلكم . ثمّ إنّ الأظهر أنّه تعالى - بعد الجملة الاعتراضيّة التي جاء بها ، لشدّة الاهتمام بالتّنبيه بها - عاد إلى حكاية بقيّة كلام الرؤساء لاتباعهم ، وكأنّهم قالوا لهم : ولا تؤمنوا أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ من العرب أو غيرهم مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ من المعجزات ، والكتاب ، والأحكام ، والعلوم ، فإنّ ذلك من المحالات غير

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 94 عن ابن عبّاس ، ولم نعثر عليه في تفسير العياشي . ( 2 ) . تفسير الرازي 8 : 94 . ( 3 ) . تفسير البيضاوي 1 : 165 ، تفسير أبي السعود 2 : 49 . ( 4 ) . تفسير البيضاوي 1 : 165 ، تفسير أبي السعود 2 : 49 .